• مرحباً بكم في منتديات ولد البحرين الإسلامية بِحُلّته الجديدة

سلسلة الأحاديث الصحيحة للإمام الألباني ــ المجلد الأول

سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 183

" إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم , فإذا أراد أن يقوم فيسلم , فليست الأولى بأحق من الآخرة " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 306 :
رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 1007 و 1008 ) وأبو داود ( 5208 ) والترمذي ( 2 / 118 ) والطحاوي في " المشكل " ( 2 / 139 ) وأحمد ( 2 / 230 , 287 , 429 ) والحميدي ( 1162 ) وأبو يعلى في " مسنده " ( ق 306 / 1 ) والفاكهي في " حديثه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة " ( 1 / 5 / 2 ) عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن # أبي هريرة # مرفوعاً به وقال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : وإسناده جيد , رجاله كلهم ثقات , وفي ابن عجلان واسمه محمد , كلام يسير لا يضر في الاحتجاج بحديثه , لاسيما وقد تابعه يعقوب ابن زيد التيمي عن المقبري به . والتيمي هذا ثقة : فصح الحديث , والحمد لله . وله شواهد تقويه كما يأتي .
والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " و" الكبير " ( 1 / 45 / 1 ) لابن حبان و الحاكم في " المستدرك " أيضاً , ثم عزاه في مكان آخر من " الكبير " ( 1 / 21 / 1 ) لابن السني في " عمل اليوم و الليلة " والطبراني في " الكبير " ولم أره في " المستدرك " بعد أن راجعته فيه في " البر " و" الصلة " و" الأدب " . والله أعلم .
ومن شواهد الحديث ما أخرجه أحمد ( 3 / 438 ) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حق على من قام على مجلس أن يسلم عليهم , وحق على من قام من مجلس أن يسلم . فقام رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم , ولم يسلم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسرع ما نسي ? !
قلت : وهذا سند ضعيف , ولكن لا بأس به في الشواهد . ويقويه أن البخاري أخرجه في " الأدب المفرد " ( 1009 ) من طريق أخرى عن بسطام قال : سمعت معاوية بن قرة قال : قال لي أبي : " يا بني إن كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل : سلام عليكم , فإنك تشركهم فيما أصابوا في ذلك المجلس , وما من قوم يجلسون مجلساً فيتفرقون عنه لم يذكروا الله , إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار " .
وإسناده صحيح , رجاله كلهم ثقات , وهو وإن كان موقوفاً , فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي , لاسيما وغالبه قد صح مرفوعاً , فطرفه الأول ورد في حديث أبي هريرة هذا , والآخر ورد من حديثه أيضاً , وقد سبق برقم ( 77 ) وانظر ما قبله وما بعده .
والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد , وأحق من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلابه , فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس مثلاً أن يسلموا , وكذلك إذا خرجوا , فليست الأولى بأحق من الأخرى , وذلك من إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتى : " إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض , فأفشوا السلام بينكم " .‎
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 184

" إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض , فأفشوا السلام بينكم " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 308 :
رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 989 ) حدثنا شهاب قال : حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن # أنس # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم وحده .
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً به .
أخرجه أبو الشيخ في " الطبقات " ( 147 , 295 ) من طريق عبد الله بن عمر قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله به . وقال : " تفرد به عبد الله بن عمر " .
قلت : وهو عبد الله بن عمر بن يزيد الزهري قال أبو الشيخ : " يكنى أبا محمد , ولي القضاء بالكرخ , وخرج إليها , مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين , وكان راوية عن يحيى , وعبد الرحمن وروح وحماد بن مسعدة ومحمد بن بكر وأبو قتيبة وغيرهم , وله مصنفات كثيرة , وقد حدث بغير حديث يتفرد به " .
ثم ساق له أحاديث هذا أولها .
وقد أورده ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 111 ) ولم يذكر فيه جرحاً .
قلت : فالرجل يستشهد به إن لم يحتج به , فإنه ليس فيما ساق له أبو الشيخ من الأحاديث ما ينكر عليه , والله أعلم .
والحديث أورده المنذري في " الترغيب " ( 3 / 267 - 268 ) بزيادة : " فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام , فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم " .
وقال : " رواه البزار والطبراني وأحد إسنادي البزار جيد قوي " .
وفي الباب عن أبي هريرة مثل حديث أنس .
أخرجه العقيلي كما في " الجامع الكبير " ( 1 / 159 / 1 ) .
وبالجملة فالحديث صحيح لا شك فيه , والأحاديث في الأمر بإفشاء السلام كثيرة صحيحة , بعضها في الصحيح , وقد اخترت منها هذا الحديث للكلام عليه , لأنه ليس في " الصحيح " مع أن إسناده صحيح , وله تلك الشواهد فأحببت أن أبين ذلك .
إذا عرفت هذا فينبغي أن تعلم أن إفشاء السلام المأمور به دائرته واسعة جداً , ضيقها بعض الناس جهلا بالسنة , أو تهاملاً في العمل بها . فمن ذلك السلام على المصلي , فإن كثيراً من الناس يظنون أنه غير مشروع , بل صرح النووي في الأذكار بكراهته , مع أنه صرح في " شرح مسلم " : " أنه يستحب رد السلام بالإشارة " وهو السنة . فقد جاءت أحاديث كثيرة في سلام الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأقرهم على ذلك , ورد عليهم السلام , فأنا أذكر هنا حديثاً واحداً منها وهو حديث ابن عمر قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصل فيه . فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي , قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي ? قال : يقول هكذا , وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه , وجعل بطنه أسفل , وجعل ظهره إلى فوق "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 185

" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه . فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي , قال : فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي ? قال : يقول هكذا , وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه , وجعل بطنه أسفل , وجعل ظهره إلى فوق " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 310 :
أخرجه أبو داود ( 927 ) بسند جيد و بقية أصحاب السنن .
وقال الترمذي ( 2 / 204 ) : " حديث حسن صحيح " .
وله طريق أخرى في المسند ( 2 / 30 ) وغيره عن ابن عمر .
وسنده صحيح على شرط الشيخين .
وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقال المروزي في " المسائل " ( ص 22 ) : " قلت ( يعني لأحمد ) : يسلم على القوم وهم في الصلاة ? قال : نعم , فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر , كيف كان يرد ? قال : كان يشير , قال إسحاق : كما قال " : واختار هذا بعض محققي المالكية فقال القاضي أبو بكر بن العربي في " العارضة " ( 2 / 162 ) : " قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة , وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي . فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قباء وغيره . وقد كنت في مجلس الطرطوشي , وتذاكرنا المسألة , وقلنا الحديث واحتججنا به , وعامي في آخر الحلقة , فقام وقال : ولعله كان يرد عليهم نهياً لئلا يشغلوه ! فعجبنا من فقهه ! ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب , على حسب ما بيناه في أصول الفقه " .
ومن العجيب أن النووي بعد أن صرح في الأذكار بكراهة السلام على المصلي قال ما نصه : " والمستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة , ولا يتلفظ بشيء " .
أقول : ووجه التعجب أن استحباب الرد فيه أن يستلزم استحباب السلام عليه والعكس بالعكس , لأن دليل الأمرين واحد , وهو هذا الحديث وما في معناه , فإذا كان يدل على استحباب الرد , فهو في الوقت نفسه يدل على استحباب الإلقاء , فلو كان هذا مكروهاً لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم و لو بعدم الإشارة بالرد , لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وهذا بين ظاهر والحمد لله .
ومن ذلك أيضاً السلام على المؤذن و قارىء القرآن , فإنه مشروع , والحجة ما تقدم فإنه إذا ما ثبت استحباب السلام على المصلي , فالسلام على المؤذن والقارىء أولى وأحرى . وأذكر أنني كنت قرأت في المسند حديثاً فيه سلام النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة يتلون القرآن , وكنت أود أن أذكره بهذه المناسبة وأتكلم على إسناده , ولكنه لم يتيسر لي الآن .
وهل يردان السلام باللفظ أم بالإشارة ? الظاهر الأول , قال النووي : " وأما المؤذن فلا يكره له رد الجواب بلفظه المعتاد لأن ذلك يسير , لا يبطل الأذان ولا يخل به " .
ومن ذلك تكرار السلام بعد حصول المفارقة ولو بعد مدة يسيرة , لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه , فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضاً "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 186

" إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه , فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضاً " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 312 :
رواه أبو داود ( 5200 ) من طريق ابن وهب قال . أخبرني معاوية ابن صالح عن أبي موسى عن أبي مريم عن # أبي هريرة # قال : إذا لقي ... قال معاوية : وحدثني عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله سواء .
قلت : وإسناد المرفوع صحيح رجاله كلهم ثقات , وأما إسناد الموقوف ففيه أبو موسى هذا وهو مجهول . وقد أسقطه بعضهم من السند , فرواه عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية عن أبي مريم عن أبي هريرة به موقوفاً .
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( 1010 ) . وعبد الله ابن صالح فيه ضعف فلا يحتج به , وخصوصاً عند مخالفته , لكن قد أخرجه أبو يعلى ( 297 / 1 ) عنه هكذا , وعنه عن معاوية ابن صالح عن عبد الوهاب بن بخت مثل رواية ابن وهب المرفوعة , فهذا أصح .
وقد ثبت أن الصحابة كانوا يفعلون بمقتضى هذا الحديث الصحيح .
فروى البخاري في " الأدب " ( 1011 ) عن الضحاك بن نبراس أبي الحسن عن ثابت عن أنس بن مالك . " إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يكونون , فتستقبلهم الشجرة , فتنطلق طائفة منهم عن يمينها وطائفة عن شمالها , فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض " .
قلت : والضحاك هذا لين الحديث , لكن عزاه المنذري ( 3 / 268 ) والهيثمي ( 8 / 34 ) للطبراني في الأوسط وقالا : " وإسناده حسن " .
فلا أدري أهو من طريق أخرى , أم من هذه الطريق ? ثم إنه بلفظ : " كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتفرق بيننا شجرة , فإذا التقينا يسلم بعضنا على بعض " . ثم رأيته في " عمل اليوم والليلة " لابن السني رقم ( 241 ) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة حدثنا ثابت وحميد عن أنس به .
وهذا سند صحيح .
ويشهد له حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة . " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد , فدخل رجل فصلى , ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام , قال : ارجع فصل فإنك لم تصل , فرجع الرجل فصلى كما كان صلى , ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه . ( فعل ذلك ثلاث مرات ) " .
أخرجه الشيخان وغيرهما . وبه استدل صديق حسن خان في " نزل الأبرار " ( ص 350 - 351 ) على أنه : " إذا سلم عليه إنسان ثم لقيه على قرب يسن له أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً " .
وفيه دليل أيضاً على مشروعية السلام على من في المسجد , وقد دل على ذلك حديث سلام الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء كما تقدم ومع هذا كله نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنة , فيدخل أحدهم المسجد ولا يسلم على من فيه , زاعمين أنه مكروه . فلعل فيما كتبناه ذكرى لهم ولغيرهم , والذكرى تنفع المؤمنين
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 187

" تعلم كتاب اليهود , فإني لا آمنهم على كتابنا " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 314 :
رواه أبو داود ( 3645 ) والترمذي ( 2 / 119 ) والحاكم ( 1 / 75 ) وصححه وأحمد ( 5 / 186 ) والفاكهي في " حديثه " ( 1 / 14 / 2 ) واللفظ له , كلهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن # خارجه بن زيد عن أبيه # قال : " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة , أتي بي إليه , فقرأت عليه , فقال لي .. " فذكره , قال : فما مر بي خمس عشرة حتى تعلمته , فكنت أكتب للنبي صلى الله عليه وسلم , وأقرأ كتبهم إليه " .
وقال الترمذي : " حديث حسن صحيح " .
قلت : وإسناده حسن , وإنما صححه الترمذي لأن له طريقا أخرى , وقد قال الترمذي عقب ذلك : " وقد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت , رواه الأعمش , عن ثابت بن عبيد الأنصاري عن زيد بن ثابت قال : ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية ) " .
قلت : وصله أحمد ( 5 / 182 ) والحاكم ( 3 / 422 ) عن جرير عن الأعمش به بلفظ : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتحسن السريانية ? فقلت : لا , قال : فتعلمها فإنه يأتينا كتب , فتعلمها في سبعة عشر يوماً " .
زاد الحاكم : " قال الأعمش : كانت تأتيه كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به " .
وقال : " صحيح إن كان ثابت بن عبيد سمعه من زيد بن ثابت " .
قلت : لا أدري الذي حمل الحاكم على التردد في سماع ثابت إياه من زيد وهو مولاه ولم يتهم بتدليس ! قال ابن حبان في " الثقات " ( 1 / 6 ) : " ثابت بن عبيد الأنصاري , كوفي يروي عن عمر وزيد بن ثابت , روى عن ابن سيرين والأعمش , وهو مولى زيد بن ثابت " : وقد قيل إن ثابت بن عبيد الأنصاري هو غير ثابت بن عبيد مولى زيد , فرق بينهما أبو حاتم في " الجرح والتعديل " ( 1 / 1 / 454 ) , وعزى الحافظ في " التهذيب " هذا التفريق إلى ابن حبان أيضاً وهو وهم , بل ما نقلته عن ابن حبان آنفا يدل عن عدم التفريق وهو الذي اعتمده الحافظ في " التقريب " وسواء كان هذا أو ذاك فكلاهما ثقة , فالسند صحيح .
والحديث علقه البخاري في صحيحه فقال : " وقال خارجة بن زيد ابن ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود " .
قال الحافظ ابن حجر في شرحه ( 13 / 161 ) : " وقد وصله مطولاً في ( كتاب التاريخ ) " .
ثم ذكر ابن حجر الطريق الأخرى التي علقها الترمذي ثم قال : " وهذا الطريق وقعت لي بعلو في " فوائد هلال الحفار " .
وأخرجه أحمد وإسحاق في " مسنديهما " , وأبو بكر بن أبي داود في " كتاب المصاحف " وأبو يعلى , وعنده : إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي وينقصوا فتعلم السريانية . فذكره .
وله طريق أخرى أخرجها ابن سعد . وفي كل ذلك رد على من زعم أن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد به . نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا عبد الرحمن . فهو تفرد نسبي . وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة , فإن من لازم تعلم كتابة اليهود تعلم لسانهم , ولسانهم السريانية , لكن المعروف أن لسانهم العبرانية , فيحتمل أن زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك " .‎
قلت : وهذا الحديث في معنى الحديث المتداول على الألسنة : " من تعلم لسان قوم أمن من مكرهم " لكن لا أعلم له أصلاً بهذا اللفظ , ولا ذكره أحد ممن ألف في الأحاديث المشتهرة على الألسنة , فكأنه إنما اشتهر في الأزمنة المتأخرة .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 188

" انقضي شعرك واغتسلي . أي في الحيض " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 317 :
رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 1 / 26 / 1 ) : أنبأنا وكيع عن هشام عن أبيه عن # عائشة # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في الحيض : فذكره .
وأخرجه ابن ماجه ( 641 ) من طريق ابن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا : حدثنا وكيع به .
قلت : وهذا سند صحيح على شرط الشيخين . وهو عندهما في أثناء حديث عائشة في قصة حيضها في حجة الوداع وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : " انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك .. الحديث وليس فيه " واغتسلي " وهي زيادة صحيحة بهذا السند الصحيح , وسياق الشيخين , يقتضيها ضمناً , وإن لم يصرح بها لفظاً . ولعل هذا هو وجه استدراك السندي على البوصيري قوله في " الزوائد " : " وهذا إسناد رجاله ثقات " فقال السندي " قلت : ليس الحديث من الزوائد , بل هو في الصحيحين وغيرهما " .
وأقول : ولكل وجهة , فالسندي راعى المعنى الذي يقتضيه السياق كما أشرت إليه .
والبوصيري راعى اللفظ , ولا شك أنه بهذه الزيادة " واغتسلي " إنما هو من الزوائد على الشيخين , ولذلك أورده البوصيري , وتكلم في إسناده ووثقه . وكان عليه أن يصرح بصحته كما فعل المجد ابن تيمية في " المنتقى " والله الموفق .
ولا تعارض بين الحديث و بين ما رواه أبو الزبير عن عبيد بن عمير قال : " بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن , فقالت : يا عجباً لابن عمرو هذا , يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ! أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ?‎! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد , ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات " . أخرجه مسلم ( 1 / 179 ) وابن أبي شيبة ( 1 / 24 / 1 - 2 ) والبيهقي ( 1 / 181 ) وأحمد ( 6 / 43 ) .
أقول : لا تعارض بينه وبين هذا لأمرين :
الأول : أنه أصح من هذا . فإن هذا وإن أخرجه مسلم فإن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه .
الثاني : أنه وارد في الحيض , وهذا في الجنابة , كما هو ظاهر , فيجمع بينهما بذلك , فيقال يجب النقض في الحيض دون الجنابة . وبهذا قال الإمام أحمد وغيره من السلف .
وهذا الجمع أولى , فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث , عن أم سلمة قالت : " قلت : يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي , فأنقضه لغسل الجنابة ? قال : " لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 189

" لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 319 :
رواه مسلم ( رقم 178 ) وأصحاب السنن الأربعة وأبو علي الحسين ابن محمد اللحياني في " حديثه " ( ق 123 / 1 ) وابن أبي شيبة والبيهقي ( 1 / 181 ) وأحمد ( 6 / 289 و 314 - 315 ) من طريق سفيان الثوري وابن عيينة واللفظ له وروح بن القاسم وأيوب ( وهو السختياني ) عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن # أم سلمة # قالت : فذكره
وقد رواه عن الثوري ثقتان يزيد بن هارون , وعبد الرزاق بن همام , ‎وقد اختلفا عليه , فالأول رواه كرواية ابن عيينة , والآخر قال في حديثه , " أفأنقضه للحيضة والجنابة " ? .
فزاد فيه ( والجنابة ) , فأرى أنها زيادة شاذة لتفرد عبد الرزاق بها عن سفيان الثوري دون يزيد بن هارون , ورواية هذا أرجح لموافقتها للفظ ابن عيينة وروح بن القاسم والسختياني . والله أعلم .
وقد أفاض ابن القيم في " التهذيب " في بيان شذوذ هذه الزيادة فمن أراد التحقق من ذلك فليرجع إليه ( 1 / 167 )
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 190

" لا خير فيها , هي من أهل النار . يعني امرأة تؤذي جيرانها بلسانها " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 320 :
رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 119 ) وابن حبان ( 2054 ) والحاكم ( 4 / 166 ) وأحمد ( 2 / 440 ) وأبو بكر محمد ابن أحمد المعدل في " الأمالي " ( 6 / 1 - 2 ) من طريق الأعمش قال : حدثنا أبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة قال سمعت أبا هريرة يقول : " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار , وتفعل وتصدق , وتؤذي جيرانها بلسانها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها , هي من أهل النار , قال : وفلانه تصلي المكتوبة وتصدق بأتوار ( من الأقط ) ولا تؤذي أحداً , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي من أهل الجنة " .
قلت : وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير أبي يحيى هذا وقد بيض له الحافظ في " التهذيب " فلم يذكر توثيقه عن أحد , وبناء عليه قال في " التقريب " : مقبول . أي لين الحديث . وهذا منه عجيب , فقد روى ابن أبي حاتم ( 4 / 2 / 457 ) عن ابن معين أنه قال فيه " ثقة " . واعتمده الذهبي في " الميزان " فقال أيضاً : " ثقة " . و يقوي ذلك أن مسلماً أخرج له حديثاً واحداً , كما في " تهذيب الكمال " .
والحديث أخرجه البزار و ابن أبي شيبة كما في " الترغيب " ( 4 / 235 ) وصحح إسناده .
( أتوار ) جمع ( تور ) بالمثناة الفوقية إناء من صفر .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 191

" كان يصوم في السفر ويفطر , ويصلي ركعتين لا يدعهما , يقول : لا يزيد عليهما . يعني الفريضة " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 321 :
أخرجه الطحاوي ( 1 / 333 ) وأحمد ( 1 / 402 و 407 ) من طريق حماد عن إبراهيم عن علقمة عن # ابن مسعود # مرفوعاً .
قلت : وهذا سند جيد , وهو على شرط مسلم وحماد هو ابن أبي سليمان الفقيه وفيه كلام لا يضر , والحديث صحيح قطعاً بشقيه , أما قصر الصلاة ففيه أحاديث كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة فلا نطيل الكلام بذكرها . وأما الصوم في السفر , فقد بدرت من الصنعاني في " سبل السلام " كلمة نفى فيها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر فرضاً فقال ( 2 / 34 ) : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يتم رباعية في سفر , ولا صام فيه فرضاً " !
ولهذا توجهت الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي المذكور , فأقول : ورد صومه صلى الله عليه وسلم في السفر عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود . وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك , وأبو الدرداء . 1 - أما حديث ابن مسعود , فهو هذا .
2 - وأما حديث ابن عباس , فقال أبو داود الطيالسي ( 1 / 190 ) : حدثنا سليمان ( وهو ابن معاذ الضبي ) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بالشطر الأول منه .
وهذا سند حسن رجاله رجال مسلم , وقد أخرجه في صحيحه ( 3 / 141 ) وكذا أحمد ( 1 / 232 ) من طريق طاووس عن ابن عباس قال : " لا تعب على من صام , ولا على من أفطر , فقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر " .
وأخرجه البخاري ( 3 / 146 ) ومسلم وغيرهما من طريق عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصامه حتى بلغ الكديد أفطر , فأفطر الناس " .
( الكديد ) بفتح الكاف مكان معروف بين عسفان وقديد , وبين الكديد ومكة مرحلتان , وبينه وبين المدينة عدة أيام كما في " الفتح " ( 3 / 147 ) .
وفي رواية للبخاري ( 3 / 151 ) ومسلم ( 3 / 141 ) من طريق مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان , ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان , فكان ابن عباس يقول : قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر , فمن شاء صام , ومن شاء أفطر " .
وأخرجه ابن جرير في تفسيره ( 3 / 468 / 2883 ) عن العوام بن حوشب قال : " قلت لمجاهد : الصوم في السفر ? قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فيه ويفطر , قلت : فأيهما أحب إليك ? قال : إنما هي رخصة , وأن تصوم رمضان أحب إلي " .
وسنده مرسل صحيح .
3 - وأما حديث أنس , فرواه عنه زياد النميري : حدثني أنس ابن مالك قال : " وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان في سفر فصامه , ووافقه رمضان في سفر فأفطره " .
رواه البيهقي ( 4 / 244 ) , وزياد هذا هو ابن عبد الله النميري البصري ضعيف , يكتب حديثه للشواهد .
4 - وأما حديث أبي الدرداء , فيرويه الوليد بن مسلم عن سعيد ابن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان , في حر شديد , حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر , وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة " .
أخرجه مسلم ( 3 / 145 ) : حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم به .
والوليد بن مسلم وإن كان ثقة فإنه يدلس تدليس التسوية , وقد عنعن الإسناد كله , لكن أخرجه أبو داود في " سننه " ( 1 / 378 ) : حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز ... فساقه مسلسلاً بالتحديث في جميع الرواة إلا في أم الدرداء فقال : عن أبي الدرداء به . إلا أنه قال : " في بعض غزواته " ولم يقل " في شهر رمضان " .
وهذا هو الصواب عندي أن حديث أبي الدرداء ليس فيه " في شهر رمضان " , وذلك لأمور :
الأول : أن سعيد بن عبد العزيز وإن كان ثقة , فقد كان اختلط قبول موته كما قال أبو مسهر , وقد اختلف عليه في قوله " في شهر رمضان " فأثبته عنه الوليد بن مسلم في رواية داود بن رشيد عنه , ولم يثبتها عنه في رواية مؤمل بن الفضل , وهو ثقة . وتترجح هذه الرواية عن الوليد بمتابعة بعض الثقات له عليه , منهم عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز به بلفظ : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ...‎" .
أخرجه الشافعي في " السنن " ( 1 / 269 ) .
ومنهم أبو المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الحمصي .
أخرجه أحمد ( 5 / 194 ) عنه .
فهؤلاء ثلاثة من الثقات لم يذكروا ذلك الحرف " شهر رمضان " , فروايتهم مقدمة على رواية الوليد الأخرى كما هو ظاهر لا يخفى , ويؤيده الأمر التالي , وهو :
الثاني : أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قد تابع سعيداً على رواية الحديث عن إسماعيل بن عبيد الله بتمامه , ولكنه خالفه في هذا الحرف فقال : " خرجنا مع رسول الله في بعض أسفارنا ... " أخرجه البخاري ( 3 / 147 ) , وعبد الرحمن هذا أثبت من سعيد , فروايته عند المخالفة أرجح , لاسيما إذا وافقه عليها سعيد نفسه في أكثر الروايات عنه كما تقدم .
الثالث : أن هشام بن سعد قد تابعه أيضاً ولكنه لم يذكر فيه الحرف المشار إليه .
أخرجه أحمد ( 6 / 444 ) عن حماد بن خالد قال : حدثنا هشام بن سعد عن عثمان بن حيان وإسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به .
وهشام بن سعد ثقة حسن الحديث , وقد احتج به مسلم كما يأتي .
الرابع : أن الحديث جاء من طريق أخرى عن أم الدرداء لم يرد فيه الحرف المذكور .
أخرجه مسلم ( 3 / 145 ) وابن ماجه ( 1 / 510 ) والبيهقي ( 4 / 245 ) وأحمد ( 5 / 194 ) من طرق عن هشام بن سعد عن عثمان بن حيان الدمشقي عن أم الدرداء به بلفظ : " لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ..‎" .
وقرن أحمد في رواية له كما تقدم إسماعيل بن عبيد الله مع عثمان بن حيان , فقد روى هشام بن سعد الحديث من الطريقين عن أم الدرداء .
قلت : فهذه الوجوه الأربعة ترجح أن قوله في رواية مسلم " في شهر رمضان " شاذ لا يثبت في الحديث , وقد أوهم الحافظ عبد الغني المقدسي في " عمدة الأحكام " حيث أورد الحديث ( رقم 183 ) بلفظ مسلم بهذه الزيادة أنها من المتفق عليها بين الشيخين . لأنه لم يقل على الأقل " واللفظ لمسلم " كما هو الواجب في مثله , ولم أجد من نبه على شذوذ هذه الزيادة , حتى ولا الحافظ ابن حجر , بل إنه ذكرها من رواية مسلم ثم بنى عليه قوله : " وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال ( يعني على جواز إفطار المسافر في رمضان ) ويتوجه الرد بها على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه , لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعاً " .
فأقول : إن الرد المذكور غير متجه بعد أن حققنا شذوذ رواية مسلم , شذوذاً لا يدع مجالاً للشك فيه , ولو أن الحافظ رحمه الله تيسر له تتبع طرق هذا الحديث وألفاظه لما قال ما ذكر .
وقد وهم في الحديث الصنعاني في " العدة " وهماً آخر فقال ( 3 / 368 ) : " وهذا الحديث في مسلم لأبي الدرداء وفي البخاري نسبة لأم الدرداء " .
والصواب أن الحديث عند البخاري كما هو عند مسلم من مسند أبي الدرداء , لكنهما أخرجاه من طريق أم الدرداء عنه .
هذا , وإنما يتجه الرد على ابن حزم بالأحاديث الأخرى التي سقناها عن جماعة من الصحابة , وكذلك يرد عليه بالحديث الآتي : " هي رخصة " يعني الفطر في السفر " من الله , فمن أخذ بها فحسن , ومن أحب أن يصوم , فلا جناح عليه "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 192

" هي رخصة ـ يعني الفطر في السفر ـ من الله , فمن أخذ بها فحسن , ومن أحب أن يصوم , فلا جناح عليه " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 327 :
رواه مسلم ( 3 / 145 ) والنسائي ( 1 / 317 ) والبيهقي ( 4 / 243 ) من طريق أبي مراوح عن # حمزة بن عمرو الأسلمي # رضي الله عنه أنه قال : " يا رسول الله ! أجد بي قوة على الصيام في السفر , فهل علي جناح ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ‎" فذكره .
قال مجد الدين بن تيمية في " المنتقى " : وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر .
قلت : ووجه الدلالة قوله في الصائم " فلا جناح عليه " , أي : لا إثم عليه , فإنه يشعر بمرجوحية الصيام كما هو ظاهر , لاسيما مع مقابلته بقوله في الفطر " فحسن " , لكن هذا الظاهر غير مراد عندي , والله أعلم , وذلك لأن رفع الجناح في نص ما عن أمر ما , لا يدل إلا على أنه يجوز فعله وأنه لا حرج على فاعله , وأما هل هذا الفعل مما يثاب عليه فاعله أو لا , فشيء آخر لا يمكن أخذه من النص ذاته بل من نصوص أخرى خارجة عنه , وهذا شيء معروف عند من تتبع الأمور التي ورد رفع الجناح عن فاعلها وهي على قسمين :
أ - قسم منها يراد بها رفع الحرج فقط مع استواء الفعل والترك , وهذا هو الغالب , ومن أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب , والحدأة , والفأرة والعقرب , والكلب العقور "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 193

" خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب , والحدأة , والفأرة والعقرب , والكلب العقور " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 328 :
أخرجه الشيخان ومالك وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي والدارمي ( 2 / 36 ) والبيهقي وأحمد ( 2 / 8 , 32 , 37 , 48 , 52 , 54 , 65 , 82 , 138 ) من طرق عن # ابن عمر # مرفوعاً به .
ومن الواضح أن المراد من رفع الجناح في هذا الحديث هو تجويز القتل , ولا يفهم منه أن القتل مستحب أو واجب أو تركه أولى .
ب - وقسم يراد به رفع الحرج عن الفعل , مع كونه في نفسه مشروعاً له فضيلة , بل قد يكون واجباً , وإنما يأتي النص برفع الحرج في هذا القسم دفعاً لوهم أو زعم من قد يظن الحرج في فعله , ومن أمثلة هذا ما روى الزهري عن عروة قال : " سألت عائشة رضي الله عنها ? فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله , فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ! قالت : بئس ما قلت يا ابن أختي , إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت " لا جناح عليه أن لا يطوف بهما " ! ولكنها أنزلت في الأنصار , كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل , فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة , فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , قالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة , فأنزل الله : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) , قالت عائشة رضي الله عنها : وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما , فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما " .
أخرجه البخاري ( 1 / 414 ) وأحمد ( 6 / 144 , 227 ) .
إذا تبين هذا فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " , لا يدل إلا على رفع الإثم عن الصائم , وليس فيه ما يدل على ترجيح الإفطار على الصيام , ولكن إذا كان من المعلوم أن صوم رمضان في السفر عبادة بدليل صيامه صلى الله عليه وسلم فيه , فمن البديهي حينئذ أنه أمر مشروع حسن , وإذا كان كذلك فإن وصف الإفطار في الحديث بأنه حسن , لا يدل على أنه أحسن من الصيام , لأن الصيام أيضاً حسن كما عرفت , وحينئذ فالحديث لا يدل على أفضلية الفطر المدعاة , بل على أنه والصيام متماثلان .
ويؤكد ذلك حديث حمزة بن عمرو من رواية عائشة رضي الله عنها : أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم , فأصوم في السفر ? قال :
" صم إن شئت , وأفطر إن شئت "
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 194

" صم إن شئت , وأفطر إن شئت " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 330 :
أخرجه الشيخان وغيرهما من أصحاب الستة وابن أبي شيبة ( 2 / 150 / 1 ) وعنه أبو حفص الكناني في " الأمالي " ( 17 / 1 ) .
قلت : فخيره صلى الله عليه وسلم بين الأمرين , ولم يفضل له أحدهما على الآخر , والقصة واحدة , فدل على أن الحديث ليس فيه الأفضلية المذكورة .
ويقابل هذه الدعوى قول الشيخ علي القاري في " المرقاة " أن الحديث دليل على أفضلية الصوم . ثم تكلف في توجيه ذلك .
والحق أن الحديث يفيد التخيير لا التفضيل , على ما ذكرناه من التفصيل .
نعم يمكن الاستدلال لتفضيل الإفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته . ( وفي رواية ) : كما يحب أن تؤتى عزائمه " .
وهذا لا مناص من القول به , لكن يمكن أن يقيد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء , وليس عليه حرج في الأداء , وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود . فتأمل .
وأما حديث " من أفطر ( يعني في السفر ) فرخصة , ومن صام فالصوم أفضل " . فهو حديث شاذ لا يصح . والصواب أنه موقوف على أنس كما بينته في " الأحاديث الضعيفة " ( رقم 936 ) , ولو صح لكان نصاً في محل النزاع , لا يقبل الخلاف , وهيهات , فلابد حينئذ من الاجتهاد والاستنباط , وهو يقتضى خلاف ما أطلقه هذا الحديث الموقوف , وهو التفصيل الذي ذكرته .
والله الموفق .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 195

" إن الله يبغض كل جعظرى جواظ , سخاب في الأسواق , جيفة بالليل , حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا , جاهل بأمر الآخرة " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 331 :
رواه بن حبان في " صحيحه " ( 1957 - موارد ) : أخبرنا أحمد ابن محمد بن الحسن : حدثنا أحمد بن يوسف السلمي : أنبأنا عبد الرزاق : أنبأنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن # أبي هريرة # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكره .
قلت : وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم , غير شيخ ابن حبان أحمد بن الحسن وهو أبو حامد النيسابوري المعروف بابن الشرقي قال الخطيب ( 4 / 426 - 427 ) : " وكان ثقة , ثبتاً متقناً حافظاً " . وتابعه أبو بكر القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي به .
أخرجه البيهقي ( 10 / 194 ) .
( الجعظري ) الفظ الغليظ المتكبر .
( الجواظ ) الجموع المنوع .
( السخاب ) كالصخاب : كثير الضجيج والخصام . وفي رواية ذكرها ابن الأثير ( خشب بالليل , سخب بالنهار . أي إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً كأنهم خشب فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا شحاً وحرصاً " .
( جيفة ) أي كالجيفة , لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه , وينام طول ليله كالجيفة التي لا تتحرك .‎
قلت : وما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم , مع علمهم بأمور دنياهم , كما قال تعالى فيهم ( يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا , وهم عن الآخرة هم غافلون ) ولبعض المسلمين نصيب كبير من هذا الوصف , الذين يقضون نهارهم في التجول في الأسواق والصياح فيها , ويضيعون عليهم الفرائض والصلوات , ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراؤن . ويمنعون الماعون
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 196

" كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة " حين يسلم " : لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد " يحيي و يميت , وهو حي لا يموت بيده الخير " , وهو على كل شيء قدير " ثلاث مرات " , اللهم لا مانع لما أعطيت , ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 333
رواه البخاري ( 2 / 264 - 265 ) ومسلم ( 2 / 95 ) وأبو داود ( 1 / 236 ) والنسائي ( 1 / 197 ) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " ( رقم 112 ) وأحمد ( 4 / 245 , 247 , 250 , 251 , 254 , 255 ) من طريق وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال : " أملى علي # المغيرة بن شعبة # في كتاب إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم " فذكره .
وهذا إسناد صحيح , وحديث معروف بالصحة , وإنما ذكرته لهذه الزيادات فإنها غير مشهورة عند أكثر الناس , والزيادة الأولى لأحمد وأبي داود , والثانية للطبراني من طريق أخرى عن المغيرة ورواته موثقون كما قال الحافظ , وعند ابن السني من الطريق الأولى قوله " بيده الخير " وسنده صحيح . والزيادة الثالثة للنسائي وأحمد في رواية , وسندها صحيح .
ورواها ابن خزيمة أيضاً كما في " الفتح " .
وفي الحديث مشروعية هذا الذكر بعد السلام من الفريضة , وقد حرم فضله من ذهب إلى عدم مشروعية الزيادة على قوله " اللهم أنت السلام .. " الخ عقب الفرض , وأن ما سواه من الأوراد إنما تقال عقب السنة البعدية ! وفي هذا الحديث رد صريح عليهم لا يقبل الرد , ومثله الحديث المتقدم برقم ( 102 )
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 197

" إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي , فإنك إذا فعلت ذلك لم أرد عليك " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 334 :
رواه بن ماجه ( 1 / 145 / 146 ) وابن أبي حاتم في " العلل " ( 1 / 34 ) عن عيسى بن يونس عن هاشم بن البريد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن # جابر بن عبد الله # " أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " الحديث . وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : " لا أعلم روى هذا الحديث أحد غير هاشم بن البريد " .
قلت : وهو ثقة , ولا يضره أنه رمي بالتشيع , ولهذا قال البوصيري في " الزوائد " ( ق 27 / 2 ) : " هذا إسناد حسن " .
قلت : وظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو يبول , ففيه دليل على جواز الكلام على الخلاء , والحديث الوارد في أن الله يمقت على ذلك مع أنه لا يصح من قبل إسناده , فهو غير صريح فيه فإنه بلفظ : " لا يتناجى اثنان على غائطهما , ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه , فإن الله يمقت على ذلك " . فهذا النص إنما يدل على تحريم هذه الحالة وهي التحدث مع النظر إلى العورة , وليس فيه أن التحدث وحده - وإن كان في نفسه مستهجناً - مما يمقته الله تبارك وتعالى , بل هذا لابد له من دليل يقتضي تحريمه وهو شيء لم نجده , بخلاف تحريم النظر إلى العورة , فإن تحريمه ثابت في غير ما حديث .
ثم رأيت للحديث شاهداً من حديث ابن عمر بهذا اللفظ نحوه .
أخرجه ابن الجارود في " المنتقى " ( 27 - 28 ) وسنده حسن أيضاً .
ثم رأيته في " فوائد عبد الباقي بن قانع " ( 160 / 1 - 2 ) أخرجه من طريقين عن نافع عن ابن عمر , ورجالهما ثقات معروفون إلا أن شيخه في الأول منهما محمد بن عثمان بن أبي شيبة , وفيه كلام , وشيخه في الطريق الأخرى محمد بن عنبسة
بن لقيط الضبي , أورده الخطيب ( 3 / 139 ) وساق له هذا الحديث من طريق ابن قانع عنه , ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً , لكنه متابع عند ابن الجارود , فالحديث صحيح .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 198

" من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليقل حين يذكر : بسم الله في أوله وآخره فإنه يستقبل طعاماً جديداً , ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 335
رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 1340 - موارد ) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " ( 453 ) والطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 74 / 1 ) عن خليفة بن خياط حدثنا عمر بن علي المقدمي قال : سمعت موسى الجهني يقول : أخبرني # القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات , وموسى الجهني هو ابن عبد الله , ويقال : ابن عبد الرحمن أبو سلمة ويقال أبو عبد الله الكوفي .
والحديث قال الهيثمي ( 5 / 235 ) : " رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات " .
قلت ولأبي سلمة الجهني هذا حديث آخر بهذا الإسناد , إلا أنه جاء فيه مكنياً غير مسمى , فخفي حاله على أئمة الحديث وجهلوه وصرح بذلك الحافظ الذهبي وغيره , فاغتررت بذلك برهة من الزمن , فتوقفت عن تصحيح الحديث المشار إليه , إلى أن وقفت على حديث الطعام هذا وأنه من رواية موسى الجهني ففتح لي طريق معرفة أبي سلمة وأنه هو نفسه , فرجعت عن التوقف المشار إليه , ووقفت لتصحيح الحديث والحمد لله الموفق والحديث هو : " ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن , فقال : اللهم إني عبدك , وابن عبدك , وابن أمتك , ناصيتي بيدك , ماض في حكمك , عدل في قضاؤك , أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك , أو علمته أحداً من خلقك , أو أنزلته في كتابك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك , أن تجعل القرآن ربيع قلبي , ونور صدري , وجلاء حزني , وذهاب همي , إلا أذهب الله همه وحزنه , وأبدله مكانه فرجاً .
قال : فقيل : يا رسول الله ألا نتعلمها ? فقال بلى , ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 199

" ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن , فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك , أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك , أو علمته أحداً من خلقك , أو أنزلته في كتابك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي . إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجاً . قال : فقيل : يا رسول الله ألا نتعلمها ? فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 337 :
رواه أحمد ( 3712 ) والحارث بن أبي أسامة في مسنده ( ص 251 من زوائده ) وأبو يعلى ( ق 156 / 1 ) والطبراني في " الكبير " ( 3 / 74 / 1 ) وابن حبان في " صحيحه " ( 2372 ) والحاكم ( 1 / 509 ) من طريق فضيل بن مرزوق حدثنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن # عبد الله # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره .
وقال الحاكم : " حديث صحيح على شرط مسلم , إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه , فإنه مختلف في سماعه من أبيه " .
وتعقبه الذهبي بقوله : " قلت : وأبو سلمة لا يدري من هو ولا رواية له في الكتب الستة " .‎
قلت : وأبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في " التعجيل " وقال : " مجهول . قاله الحسيني . وقال مرة : لا يدري من هو . وهو كلام الذهبي في " الميزان " , وقد ذكره ابن حبان في " الثقات " , وأخرج حديثه في " صحيحه " , وقرأت بخط الحافظ بن عبد الهادي : يحتمل أن يكون خالد بن سلمة .
قلت : وهو بعيد لأن خالدا مخزومي وهذا جهني " .
قلت : وما استبعده الحافظ هو الصواب , لما سيأتي , ووافقه على ذلك الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند ( 5 / 267 ) وأضاف إلى ذلك قوله : " وأقرب منه عندي أن يكون هو " موسى بن عبد الله أو ابن عبد الجهني ويكنى أبا سلمة , فإنه من هذه الطبقة " .
قلت : وما استقر به الشيخ هو الذي أجزم به بدليل ما ذكره , مع ضميمة شيء آخر وهو أن موسى الجهني قد روى حديثاً آخر عن القاسم بن عبد الرحمن به , وهو الحديث الذي قبله فإذا ضمت إحدى الروايتين إلى الأخرى ينتج أن الراوي عن القاسم هو موسى أبو سلمة الجهني , وليس في الرواة من اسمه موسى الجهني إلا موسى بن عبد الله الجهني وهو الذي يكنى بأبي سلمة وهو ثقة من رجال مسلم , وكأن الحاكم رحمه الله أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث " صحيح على شرط مسلم " فإن معنى ذلك أن رجاله رجال مسلم ومنهم أبو سلمة الجهني ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كان هو موسى بن عبد الله الجهني فاغتنم هذا التحقيق فإنك لا تراه في غير هذا الموضع . والحمد لله على توفيقه . بقي الكلام على الانقطاع الذي أشار إليه الحاكم , وأقره الذهبي عليه , وهو قوله : " إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ... " .
قلت : هو سالم منه , فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة , منهم سفيان الثوري وشريك القاضي وابن معين والبخاري وأبو حاتم , وروى البخاري في " التاريخ الصغير " بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : " لما حضر عبد الله الوفاة , قال له ابنه عبد الرحمن : يا أبت أوصني , قال : ابك من خطيئتك " .
فلا عبرة بعد ذلك بقول من نفى سماعه منه , لأنه لا حجة لديه على ذلك إلا عدم العلم بالسماع , ومن علم حجة على من يعلم .
والحديث قال الهيثمي في " المجمع " ( 10 / 136 ) : " رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان " !
قلت : وقد عرفت مما سبق من التحقيق أنه ثقة من رجال مسلم وأن اسمه موسى بن عبد الله . ولم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الله بن مسعود به , لم يذكر عن أبيه .
أخرجه محمد بن الفضل بن غزوان الضبي في " كتاب الدعاء " ( ق 2 / 1 - 2 ) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " ( 335 ) , وعبد الرحمن ابن إسحاق وهو أبو شيبة الواسطي متفق على تضعيفه .
ثم رأيت الحديث قد رواه محمد بن عبد الباقي الأنصاري في " ستة مجالس " ( ق 8 / 1 ) من طريق الإمام أحمد , وقال مخرجه الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل البغدادي : " هذا حديث حسن عالي الإسناد , ورجاله ثقات " .
وللحديث شاهد من حديث فياض عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره نحوه .
أخرجه ابن السني ( 343 ) بسند صحيح إلى فياض وهو ابن غزوان الضبي الكوفي قال أحمد : ثقة وشيخه عبد الله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي . قال ابن أبي حاتم ( 2 / 2 / 62 ) عن أبيه : " روى عنه الكوفيون " . ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً .
قلت : فهو مستور , ومثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى .
والحديث قال الهيثمي : " رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه " .
قلت : وكأنه يعني عبد الله بن زبيد , وعليه فكأنه لم يقف على ترجمته في " الجرح والتعديل " , ولو أنه لم يذكر فيه تعديلاً أو تجريحاً , فإن العادة أن لا يقال في مثله " لم أعرفه " , كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف .
( تنبيه ) وقع في هامش المجمع تعليقاً على الحديث خطأ فاحش , حيث جاء فيه : " قلت ( القائل هو ابن حجر ) : هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عبد الجليل بهذا الإسناد , فلا وجه لاستدراكه . ابن حجر " . ووجه الخطأ أن هذا التعليق ليس محله هذا الحديث , بل هو الحديث الذي في " المجمع " بعد هذا , فإن هذا لم يروه أحد من أصحاب السنن المذكورين , وليس في إسناده عبد الجليل , بل هو في إسناده الحديث الآخر , وهو عن أبي بكرة رضي الله عنه , فأخطأ الناسخ أو الطابع فربط التعليق بالحديث الأول , وهو للآخر , وخفي ذلك على الشيخ أحمد شاكر رحمه الله , فإنه بعد أن أشار لهذا الحديث ونقل قول الهيثمي السابق في تخريج الحديث قال : " وعلق عليه الحافظ ابن حجر بخطه بهامش أصله ... " . ثم ذكر كلام الحافظ المتقدم !
وجملة القول أن الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده , فكيف إذا انضم إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما . وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم , هذا وقد صرح بذلك في أكثر من كتاب من كتبه منها " شفاء العليل " ( ص 274 ) , وأما ابن تيمية فلست أذكر الآن في أي كتاب أو رسالة ذكر ذلك .
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 200

" نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 341
رواه أبو داود ( 1 / 200 ) والنسائي ( 1 / 97 ) وعنه ابن حزم في " المحلى " ( 3 / 31 ) وأبو يعلى في " مسنده " ( 1 / 119 ) وابن حبان في " صحيحه " ( 621 , 622 ) وابن الجارود في " المنتقى " ( 281 ) والبيهقي ( 2 / 458 ) والطيالسي ( 1 / 75 - من ترتيبه ) وأحمد ( 1 / 129 , 141 ) والمحاملي في " الأمالي " ( 3 / 95 / 1 ) والضياء في " الأحاديث المختارة , ( 1 / 258 , 259 ) عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن # علي # رضي الله عنه مرفوعاً .
وقال ابن حزم : " وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور , وسائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم , وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها " .
وصرح ابن حزم في مكان آخر ( 2 / 271 ) بصحة هذا عن علي رضي الله عنه ولا شك في ذلك , ولهذا قال الحافظ العراقي في " طرح التثريب " ( 2 / 187 ) وتبعه الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 2 / 50 ) : " وإسناده صحيح " . وأما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال : " ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما " .
قلت : وهل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين ? أو ليس قد صححا أحاديث كثيرة خارج كتابيهما وليست على شرطهما ? ! ثم قال : " وهذا حديث واحد , وما مضى في النهي عنهما ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد , فهو أولي أن يكون محفوظاً " .
قلت : كلاهما محفوظ , وإن كان ما رواه العدد أقوى , ولكن ليس من أصول أهل العلم , رد الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع بينهما ! وهو كذلك هنا , فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها البيهقي كقوله صلى الله عليه وسلم : " ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " متفق عليه . فهذا مطلق , يقيده حديث علي رضي الله عنه , وإلى هذا أشار ابن حزم رحمه الله بقوله المتقدم : " وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها " .
ثم قال البيهقي : " وقد روي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا . وروي ما يوافقه " ، ثم ساق هو والضياء في " المختارة " ( 1 / 185 ) من طريق سفيان قال : أخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة , إلا الفجر والعصر " .
قلت : وهذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقاً , لأنه إنما ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد صلاة العصر , والحديث الأول لا يثبت ذلك حتى يعارض بهذا , وغاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس , وليس يلزم أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر .
نعم قد ثبت عن أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر , وقالت عائشة : إنه صلى الله عليه وسلم داوم عليها بعد ذلك , فهذا يعارض حديث علي الثاني , والجمع بينهما سهل , فكل حدث بما علم , ومن علم حجة على من لم يعلم , ويظهر أن عليا رضي الله عنه علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث , فقد ثبت عنه صلاته صلى الله عليه وسلم بعد العصر وذلك قول البيهقي : " وأما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... " ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال : " كنا مع علي رضي الله عنه في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل فسطاطه وأنا أنظر , فصلى ركعتين " .
ففي هذا أن عليا رضي الله عنه عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز .
وروى ابن حزم ( 3 / 4 ) عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس " .
قلت : وإسناده صحيح , وهو شاهد قوي لحديث علي رضي الله عنهم .
وأما الركعتان بعد العصر , فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من الصحابة , فمن شاء فليرجع إليه .
وما دل عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلاً بعد صلاة العصر وقبل اصفرار الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها , وهو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعاً لابن عمر رضي الله عنه كما ذكره الحافظ العراقي وغيره , فلا تكن ممن تغره الكثرة , إذا كانت على خلاف السنة .
ثم وجدت للحديث طريقاً أخرى عن علي رضي الله عنه بلفظ : ( لا تصلوا بعد العصر , إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة ) .
أخرجه الإمام أحمد ( 1 / 130 ) : حدثنا إسحاق بن يوسف : أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فذكره :
قلت : وهذا سند جيد , رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق . كما في " التقريب " .
قلت : فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة , لاسيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن علي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد العصر , فادعى البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث , وأجبنا عن ذلك بما تقدم , ثم تأكدنا من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضاً . فالحمد لله على توفيقه .
ثم وجدت له شاهداً حسناً من حديث أنس , سيأتي برقم ( 308 )
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 201

" من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه , ما كان يبول إلا قاعداً " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 345 :
أخرجه النسائي ( 1 / 11 ) والترمذي ( 1 / 17 ) وابن ماجه ( 1 / 130 ) والطيالسي ( 1 / 45 من ترتيبه ) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن # عائشة # قالت ... فذكره .
وقال الترمذي : " حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح " .
قلت ... وهذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح وكأن ذلك لضعف شريك القاضي , ولكنه لم ينفرد به . بل تابعه سفيان الثوري عن المقدام بن شريح به .
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " ( 1 / 198 ) والحاكم ( 1 / 181 ) والبيهقي ( 1 / 101 ) وأحمد ( 1 / 136 , 192 , 213 ) من طرق عن سفيان به .
وقال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " , ووافقه الذهبي , وفيه نظر , فإن المقدام ابن شريح وأبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده .
وقال الذهبي في " المهذب " ( 1 / 22 / 2 ) : " سنده صحيح " .
فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة , وقد خفيت على الترمذي فلم يصحح الحديث , وليس ذلك غريباً , و لكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحفاظ المتأخرين , أمثال العراقي والسيوطي وغيرهما , فأعلا الحديث بشريك , ورداً على الحاكم تصحيحه إياه متوهمين أنه عنده من طريقه , وليس كذلك كما عرفت , وكنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على " مشكاة المصابيح " , وكان تعليقاً سريعاً اقتضته ظروف خاصة , لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي عادتنا , فقلت في التعليق على هذا الحديث من " المشكاة " ( 365 ) .
" وإسناده ضعيف فيه شريك , وهو ابن عبد الله القاضي وهو سيء الحفظ " .
والآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة . ونسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بتقصيرنا .
قلت آنفاً : اغتررنا بكلام العراقي والسيوطي , وذلك أن الأخير قال في " حاشيته
على النسائي " ( 1 / 12 ) .
" قال الشيخ ولي الدين ( هو العراقي ) : هذا الحديث فيه لين , لأن فيه شريكاً القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ , وما قال الترمذي : إنه أصح شيء في هذا الباب لا يدل على صحته , ولذلك قال ابن القطان : إنه لا يقال فيه : صحيح , وتساهل الحاكم في التصحيح معروف , وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية , ومسلم خرج له استشهاداً , لا احتجاجاً " .
نقله السيوطي وأقره ! ثم تتابع العلماء على تقليدهما كالسندي في حاشيته على النسائي , ثم الشيخ عبد الله الرحماني المباركفوري في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " ( 1 / 253 ) , وغيرهم , ولم أجد حتى الآن من نبه على أوهام هؤلاء العلماء , ولا على هذه المتابعة , إلا أن الحافظ رحمه الله كأنه أشار إليها في " الفتح " ( 1 / 382 ) حين ذكر الحديث : وقال : " رواه أبو عوانة في " صحيحه " و " الحاكم " .
فاقتصر في العزو عليهما لأنه ليس في طريقهما شريك , بخلاف أصحاب " السنن " ولذلك لم يعزه إليهم , والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
واعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها , وإلا فقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائماً " .
ولذلك فالصواب جواز البول قاعداً وقائماً , والمهم أمن الرشاش , فبأيهما حصل
وجب .
وأما النهي عن البول قائماً فلم يصح فيه حديث , مثل حديث " لا تبل قائماً " وقد تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " رقم ( 938 )
 
سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول

للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى

الحديث رقم 202

" إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " وفي رواية " غزا نبي من الأنبياء , فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة , وهو يريد أن يبني بها , ولما يبن " بها " , ولا آخر قد بنى بنياناً , ولما يرفع سقفها , ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات , وهو منتظر ولادها , قال : فغزا , فأدنى للقرية حين صلاة العصر , أو قريباً من ذلك , " وفي رواية : فلقي العدو عند غيبوبة الشمس " , فقال للشمس : أنت مأمورة , وأنا مأمور , اللهم احبسها علي شيئاً , فحبست عليه , حتى فتح الله عليه , " فغنموا الغنائم " , قال : فجمعوا ما غنموا , فأقبلت النار لتأكله , فأبت أن تطعمه " وكانوا إذا غنموا الغنمية بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها " فقال : فيكم غلول , فليبايعني من كل قبيلة رجل , فبايعوه , فلصقت يد رجل بيده , فقال : فيكم الغلول , فلتبايعني قبيلتك , فبايعته , قال : فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة " يده " , فقال : فيكم الغلول , أنتم غللتم , " قال : أجل قد غللنا صورة وجه بقرة من ذهب " , قال : فأخرجوه له مثل رأس بقرة من ذهب , قال : فوضعوه في المال , وهو بالصعيد , فأقبلت النار فأكلته , فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا , ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا , " وفي رواية " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إن الله أطعمنا الغنائم رحمة بنا وتخفيفاً , لما علم من ضعفنا " .

قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 348 :
هذا حديث صحيح جليل , مما حفظه لنا أبو هريرة رضي الله عنه وله عنه أربع طرق :
الأولى : قال الإمام أحمد ( 2 / 325 ) . حدثنا أسود بن عامر , حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن # أبي هريرة # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... فذكر الرواية الأولى .
وهكذا أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " ( 2 / 10 ) من طريقين آخرين عن الأسود بن عامر به .
قلت : وهذا إسناد جيد , رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين عدا أبا بكر وهو ابن عياش , فإنه من رجال البخاري وحده , وفيه كلام , لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن , وأحسن ما قرأت فيه قول ابن حبان في ترجمته من " الثقات " ( 2 / 324 ) : " كان أبو بكر من الحفاظ المتقنين , وكان يحيى القطان , وابن المديني يسيئان الرأي فيه , وذلك أنه لما كبر سنه , ساء حفظه , فكان يهم إذا روى , والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر , فلو كثر الخطأ حتى كان غالباً على صوابه لاستحق مجانبة رواياته , فأما عند الوهم يهم , أو الخطأ يخطىء , لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه " . ثم قال : " والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه , والاحتجاج بما يرويه , سواء وافق الثقات " أو لا " , لأنه داخل في جملة أهل العدالة , ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح , إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح .
وهذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته , وتيقن خطؤه " .
قلت : ولهذا صرح الحافظ ابن حجر في " الفتح " بصحة هذا السند , ثم قال ( 6 / 154 ) : " فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح " .
وسبقه إلى نحوه الحافظ ابن كثير كما سيأتي , وكذا الذهبي كما في " تنزيه الشريعة " ( 1 / 379 ) .
الطريق الثانية : قال الإمام أحمد أيضاً ( 2 / 318 ) :
" حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... فذكر أحاديث كثيرة فوق المائة بهذا الإسناد , هذا الحديث أحدها , وهي جميعها في " صحيفة همام بن منبه " التي رواها أبو الحسن أحمد ابن يوسف السلمي عن عبد الرزاق به , وهذا الحديث فيها برقم ( 123 ) .
وقد أخرجه مسلم في " صحيحه " ( 5 / 145 ) من طريق محمد بن رافع : حدثنا عبد الرزاق به بالرواية الثانية , واللفظ لمسلم .
ثم أخرجه هو والبخاري في " صحيحه " ( 6 / 154 - 156 , 9 / 193 بشرح " الفتح " ) عن عبد الله بن المبارك عن معمر به .
الطريق الثالثة : قال الطحاوي ( 2 / 10 - 11 ) : " حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ , حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة يعني القواريري , حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مثل الرواية الثانية , وفيها أكثر الزيادات التي جعلناها بين القوسين ( ) .
وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسماعيل هذا .
قال ابن أبي حاتم ( 3 / 2 / 190 ) : " سمعت منه بمكة , وهو صدوق " .
وهذه الطريق عزاها الحافظ ( 6 / 155 ) للنسائي وأبي عوانة وابن حبان .
الطريق الرابعة : أخرجها الحاكم ( 2 / 129 ) عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثل الرواية الثانية , وزاد في آخره : " فقال كعب : صدق الله ورسوله , هكذا والله في كتاب الله , يعني في التوراة , ثم قال : يا أبا هريرة أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان ? قال : لا ، قال كعب : هو يوشع بن نون , قال : فحدثكم أي قرية هي ? قال : لا , قال : هي مدينة أريحا " .
وقال الحاكم : " حديث غريب صحيح " . ووافقه الذهبي ! كذا قالا , ومبارك بن فضالة مدلس وقد عنعنه , فليس إسناده صحيحاً , بل ولا حسناً , ومن هذه الطريق رواه البزار أيضاً , كما في " البداية والنهاية " لابن كثير ( 1 / 324 ) .
ثم إن في هذه الطريق نكارة واضحة , وهي في هذه الزيادة , فإن فيها تسميته النبي بـ ( يوشع ) موقوفاً على كعب , وهي في الرواية الأولى مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وفيها تسمية المدينة بـ ( أريحا ) , وفي الرواية الأولى أنها بيت المقدس وهذا هو الصواب , ومن الغريب أن يغفل عن هذا الحافظ ابن حجر , فيقول في تفسير ( القرية ) المذكورة في رواية " الصحيحين " : " هي أريحا , بفتح الهمزة وكسر الراء , بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع القصر سماها الحاكم في روايته عن كعب " .
فغفل عما ذكرنا من تسميتها بـ " بيت المقدس " في الحديث المرفوع مع أنه قد ذكره قبيل ذلك في كتابه وصححه كما نقلته عنه آنفاً .
وقد تنبه لذلك الحافظ ابن كثير , فإنه بعد أن نقل عن أهل الكتاب أن حبس الشمس ليوشع وقع في فتح ( أريحا ) قال ( 1 / 323 ) : " فيه نظر , والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم , وفتح ( أريحا ) كان وسيلة إليه " .
ثم استدل على ذلك بالرواية الأولى للحديث , ثم قال بعد أن ساقه من طريق أحمد وحده : " انفرد به أحمد من هذا الوجه , وهو على شرط البخاري . وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى , وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا لما قلنا " .
غريب الحديث
( بضع امرأة ) . قال الحافظ : " بضم الموحدة وسكون المعجمة , البضع يطلق على الفرج والتزويج والجماع والمعاني الثلاثة لائقة هنا , ويطلق أيضاً على المهر وعلى الطلاق " .
( و لما يبن بها ) أي لم يدخل عليها , لكن التعبير بـ ( لما ) يشعر بتوقع ذلك . ( خلفات ) بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع ( خلفة ) وهي الحامل من النوق , وقد يطلق على غير النوق .
( احبسها على شيئاً ) هو منصوب نصب المصدر , أي قدر ما تقتضي حاجتنا من فتح البلد . قال عياض , اختلف في حبس الشمس هنا , فقيل : ردت على أدراجها , وقيل : وقفت , وقيل : بطئت حركتها . وكل ذلك محتمل , والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره .
قلت : وأيها كان الأرجح , فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي يوشع وقومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس , وليس هذا هو المراد , بل الغرض , أن يتمكن من الفتح قبل الليل , لأن الفتح كان يوم الجمعة , فإذا دخل الليل دخل يوم السبت الذي حرم الله عليهم العمل , وهذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل الكتاب : " وذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر , فلما غربت الشمس أو كادت تغرب , ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان ... والله أعلم .
من فوائد الحديث
1 - قال المهلب : فيه أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء .
لأن من ملك بضع امرأة , ولم يدخل بها , أو دخل بها , وكان على قرب من ذلك , فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها , ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا .‎
2 - قال ابن المنير : يستفاد منه الرد على العامة في تقديمهم الحج على الزواج , ظناً منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج , بل الأولى أن يتعفف ثم يحج .
قلت : وقد روي في موضوع الحج قبل الزواج أو بعده حديثان كلاهما عن أبي هريرة مرفوعاً , ولكنهما موضوعان , كما بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ( رقم 221 - 222 ) .
3 - وفيه أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع عليه السلام , ففيه إشارة إلى ضعف ما يروى أنه وقع ذلك لغيره , ومن تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك :
1 - ما ذكره ابن إسحاق في " المبتدأ " من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الشمس حبست لموسى عليه السلام لما حمل تابوت يوسف صلى الله عليه وسلم .
قلت : وهذا موقوف , والظاهر أنه من الإسرائيليات . وقصة نقل موسى لعظام يوسف عليهما السلام من قبره في مصر في " المستدرك " ( 2 / 571 - 572 ) بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم وليس فيها ذكر لحبس الشمس .
2 - أنها حبست لداود عليه السلام .
أخرجه الخطيب في " ذم النجوم " له من طريق أبي حذيفة , وابن إسحاق في " المبتدأ " بإسناد له عن علي موقوفاً مطولاً .
قال الحافظ : وإسناده ضعيف جداً , وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى , فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح , فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع " .
3 - أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلام , في قصة عرضه للخيل , وقوله الذي حكاه الله عنه في القرآن : " ردوها علي " .
رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس . قال الحافظ :
" وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره , والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله : ( ردوها علي ) للخيل . والله أعلم " .
4 - ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس , فردها الله عليه حتى صلى العصر .
قال الحافظ : " كذا قال ! وعزاه للطحاوي , والذي رأيته في " مشكل الآثار " للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء " .
قلت : ويأتي حديث أسماء قريبا إن شاء الله تعالى . وقصة انشغاله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر في " الصحيحين " وغيرهما وليس فيها ذكر لرد الشمس عليه صلى الله عليه وسلم , انظر " نصب الراية " ( 2 / 164 ) .
5 - ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في " مغازي ابن إسحاق " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر قريشاً صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس , فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير .
قلت : وهذا معضل , وأما الحافظ فقال : " وهذا منقطع , لكن وقع في " الأوسط " للطبراني من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم
 
عودة
أعلى